خواجه نصير الدين الطوسي

68

شرح الاشارات والتنبيهات مع المحاكمات ( وشرح الشرح قطب الدين الرازي )

الذي يسمونه فاعلا هو من جهة المعنى - الذي يسمونه العامة المفعول مفعولا والفاعل فاعلا - وتلك الجهة أن ذلك أوجد وصنع وفعل - وهذا أوجد وفعل وصنع - وكل ذلك يرجع - إلى أنه قد حصل للشيء من شيء آخر وجود بعد ما لم يكن - وقد يقولون إنه إذا وجد فقد زالت الحاجة إلى الفاعل - حتى أنه لو فقد الفاعل جاز أن يبقى المفعول موجودا - كما يشاهدونه من فقدان البناء وقوام البناء - وحتى أن كثيرا منهم لا يتحاشى أن يقول - لو جاز على الباري تعالى العدم - لما ضر عدمه وجود العالم - لأن العالم عنده إنما احتاج إلى الباري تعالى - في أن أوجده أي أخرجه من العدم إلى الوجود - حتى كان بذلك فاعلا - فإذا قد فعل وحصل له الوجود عن العدم - فكيف يخرج بعد ذلك إلى الوجود عن العدم - حتى يحتاج إلى الفاعل - وقالوا لو كان يفتقر إلى الباري تعالى - من حيث هو موجود - لكان كل موجود مفتقرا إلى موجد آخر - والباري أيضا موجود وكذلك إلى غير النهاية - ونحن نوضح الحال في كيفية ذلك - وفيما يجب أن يعتقد في هذا الجمهور يظنون أن احتياج المفعول إلى فاعله - إنما للمعنى المشترك بين معاني الفعل - والصنع والإيجاد - وهو حصول وجود المفعول بعد عدمه عن الفاعل - أعني إحداث الفاعل إياه فقط - فإذا حدث فقد استغنى عنه - حتى إن فني الفاعل بقي المفعول موجودا - وإنما حمل أهل التميز منهم على ذلك شيئان -

--> فان قلت : هذا مناف لما سبق من اشتراك الايجاد بين الصنع والابداع . فنقول : كأنه جعل الايجاد مشتركا بين معنيين مختلفين عموما وخصوصا . ثم أن قوما منهم قالوا : ان الفاعل إذا أوجد المفعول واخرجه من العدم فقد زال احتياجه اليه حتى لو جاز العدم على الباري لما ضر وجود العالم . وأكثرهم على أن الاحتياج لا يزول بعد الايجاد فان المفعول يحتاج إلى اعراض يوجدها الفاعل فيه . فهو وان لم يحتج في أصل الوجود إلى الفاعل الا انه يحتاج اليه في البقاء . ولهذا قال : وقد يقولون . والجواب عن شبهتهم : أما عن شبهة البناء : فهو انا لا نسلم أن البناء فاعل للبناء ؛ بل البناء يحدث ميولا قسرية في الأحجار والآلات ، ويحركها باعتبار تلك الميول إلى مواضع معينة فيحصل لها أوضاع وأشكال على الترتيب الذي يضعها بعضها فوق بعض . وتلك الأوضاع والهيئات هي البناء ، والبناء سبب لحركات الآلات ، والحركات معدات لحصول البناء . فهو سبب لمعدات البناء لا فاعل له .